أغلفة كتب: «So Good They Can't Ignore You»، «Unfollow Your Passion: How to Create a Life that Matters to You»
(1)
الكاتبة والمستشارة تيري تريسبيسيو، صاحبة كتاب «إلغاء متابعة شغفك»، وتنسب ذات العبارة للكاتب والأستاذ الجامعي كال نيوبورت، في كتابه «كن أروع من أن يتجاهلوك: لماذا تتفوق المهارات على الشغف في رحلة بحثك عن عمل تحبه» «So Good They Can't Ignore You».
أحيانًا تنتابني دفقة من الحماس والرغبة في إنجاز الكثير من الأمور النافعة، لنفسي أو لأسرتي، لديني أو لدنياي، لأقاربي أو لأصدقائي وجيراني، أو غير ذلك كثير. تلمع برأسي فكرة، فأكاد أهتف فرحًا: «وجدتها!» وأعزم على البدء في التنفيذ فورًا.
ربما تعتريني هذه الحماسة على إثر محاضرة تحفيزية، أو خطبة وعظية، أو قراءة سيرة ذاتية لأحد الناجحين والعظماء شرقًا وغربًا. وقد تملأ عليَّ حماستي كل كياني، حتى إنها لتمنعني النوم لفرط التفكير والسعادة بتخيل حصولها وتحقق ما أخطط له، وأعيش في أحلام اليقظة، وأبني عالمًا من خيال أهيم فيه وأهيم به.
وبعد حين - طال أو قصر - تتبدل الأحوال، وشأن الأحوال التحول، وتتقلب القلوب، وفطرة القلوب التقلب، وإذا بالحماسة تفتر، وبمعدلات الأدرينالين الراكضة في العروق مع الدم تستقر، وتنضبط تشبعات الألوان الزاهية في الصورة، حتى تكون إلى عالم الحقيقة أقرب منها إلى عالم السينما وأفلام الكارتون.
وحينها يقل الوقت الذي أنفقه في خدمة فكرتي شيئًا فشيئًا، وربما ينقطع بعد أن أكون قد أنجزت بعض الأمور الكثيرة أو القليلة فيما يتعلق بالموضوع، وربما يكون التوقف قبل اكتمال الأمر بقليل، وكثيرًا ما يكون التوقف قبل أن أبدأ في الأمر أصلًا.
هل أنا وحيد في هذه التجربة؟! - لا أظن.
(2)
هذه الحالة المشار إليها آنفًا تسمى في علم النفس السلوكي بالفجوة بين النية والفعل (Intention–action gap)، وتعني، وفقًا لنظرية بيتر غولفيتزر حول نوايا التنفيذ (Implementation Intentions)، أن النوايا العامة تظل هشة وعرضة للتلاشي ما لم تقترن بخطط تنفيذية محددة ترتبط بظروف زمانية ومكانية وإجرائية قاطعة تضبط كيفية وموعد التغلب على المعوقات التشغيلية التي تظهر عند الاستخدام الفعلي.
ببساطة، وفي كلمة واحدة: (الخطة).
إن الفجوة المشار إليها تعني الانفصال بين الاستعدادات التي يبلّغ عنها الأفراد ذاتيًا وبين سلوكياتهم الفعلية، ومن أهم أسبابها في زماننا هذا وسائل التواصل الاجتماعي عامة، ومتابعة الفيديوهات القصيرة خاصة؛ ذلك أنها تقدم مكافآت قصيرة الأجل للدماغ، لكنها تقوّض يومًا بعد يوم إمكانية تحقيق الأهداف طويلة الأجل، وذلك من خلال تعزيز التسويف.
(3)
«من ليس له وِرد فهو قرد».
الشيخ عبد الرحمن السقاف (ت: 819هـ)، وينقلها الإمام الشيخ المربي الفقيه عبد الله الحداد (1132هـ) في كتابه الجليل «رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة للراغبين من المؤمنين في سلوك طريق الآخرة».
هذه الحكمة الصوفية التربوية الجليلة كنت في أوائل رحلة التعلم أسمعها تجري على ألسنة الشيوخ المربين، فأقول في نفسي: «سجع لطيف يحثوننا به على التزام أورادنا من ذكر وعلم وعبادة، ويحذروننا من تركها بعبارة قاسية كأنها سب للمقصر منا في أوراده، والعاقل ينزه نفسه عن أسباب السب».
فإذا حدثتني نفسي بترك الورد ذكرتها بقول الشيخ، وحذرتها أنها إن فعلت فسيتجه إليها هذا القول الشديد، فتستقيم نوع استقامة ...
وقريبًا، ومع بعض دراسة لعلم النفس في القسم الخاص به بكلية الآداب، ثم مع القراءة والاستماع لبعض المحاضرات العامة في الموضوعات النفسية المختلفة، بدأ فهمي يزداد لهذه النصيحة الصوفية، وأنها أدب تربوي نفسي وقانون ذهبي في الانضباط الذاتي، ثم كانت المفاجأة بتعرضي لأول مرة لمصطلح عقلية القرد (The monkey mind phenomenon).
إنها الحالة الذهنية/النفسية التي يعيشها الإنسان بتنقله من فكرة إلى فكرة، باحثًا عما يُسكن قلقه وخوفه، كما يبحث القرد عن طعامه من شجرة إلى شجرة.
وقد شاع هذا المصطلح مؤخرًا، وأصله من الثقافة الصينية، وهو مأخوذ من حال القرد الذي قد يجد شجرة مليئة بالموز، فيأكل منها قليلًا ثم يتركها باحثًا عن غيرها، ربما تكون أقل منها موزًا، وذلك من غير هدف ظاهر إلا القلق من البقاء والرغبة في التغيير، أو ربما يكون ذلك بسبب خوف من مجهول لا أحد يعلمه، أو بسبب ضوضاء داخلية، أو عدم رضا بالموجود، حتى إن كان ما سيجده أقل جودة أو كمية مما هو أمامه الآن.
وكما تقول جينيفر شانون في كتابها (لا تغذ عقل القرد): «شبه الحكماء العقل القلق بالقرد، فهو يثرثر دائمًا، ويقفز من غصن إلى آخر، ويبحث أبدًا عن الأمان من التهديدات، فإذا كنت تعاني من الهم أو القلق فأنت على معرفة (بمنهجية القرد) هذه، وقد تحاول - كالقرد تمامًا - أن تتجنب الأشياء التي تخشاها، ولكن التجنب - أو ما نسميه تغذية القرد - لا ينجح في الواقع، بل عادة ما يؤدي إلى المزيد من القلق!»
وبتأمل هذا المصطلح، فطنت لأول مرة إلى أن لفظ «القرد» في الحكمة التربوية السابقة ليس سبًا بقدر ما هو وصف صادق كل الصدق للعقل الفارغ الخلو من خطة وأهداف وبرنامج عمل؛ فتراه يستيقظ كل صباح متسائلًا عن الشجرة التي سيقفز عليها، ثم يتوالى القفز طوال اليوم من شجرة إلى أخرى بلا خطة ولا هدف، فلا غاية أدرك ولا رحلة قطع، وينقضي يومه وعامه وعمره وهو على هذا الحال: «فما أضيع الأعمار تجري سبهللا».
(4)
كلمة اختارها قاموس أكسفورد عام ٢٠٢٤ لتكون كلمة العام (أي: الكلمة الأبرز خلال العام، وذلك بناء على تصويت شارك فيه أكثر من سبعة وثلاثين ألف شخص، ثم حسمه خبراء اللغة في أكسفورد)، وتعني: التدهور المتصوَّر في الحالة العقلية أو الفكرية، خصوصًا نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى تافه أو غير ذي قيمة، ولا سيما المحتوى القصير والمتكرر على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ...
إنها الفيديوهات القصيرة، مقاطع التيك توك، الريلز، الشورتس؛ تعددت الكلمات بتعدد المنصات والمعنى واحد: مواد بصرية قصيرة سريعة يغلب عليها الترفيه والمتعة، تسمح لمتابعها برؤية الكثير منها تباعًا بدون ملل وفي لهاث دائم محاولًا ملاحقة المجهول، يخشى أن يفوت شيء لا يعرف ما هو!
ثم في نهاية جلسة قد تمتد لساعات طوال من مقاومة النوم أو نسيانه، يجد الإنسان نفسه منهكًا مرهقًا لم يصل إلى شيء، وذلك ببساطة لأنه لم يكن راغبًا في الوصول إلى شيء ابتداءً، كان يلاحق الفراغ فامتلأ به، وإن ممتلئًا بالفراغ لفارغ!
تذكرني هذه الحالة بقول عبد الله بن مسعود:
«إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا، لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة».
إذن فقديمة هي حالة المضي بلا هدف، وإن تضييع أعمار بني آدم لغاية شيطانية عريقة، يصده بها عن سلوك سبل الخير والسير في صراط الله المستقيم، وعن هذه الحيرة والغفلة والشرود والجهل القديم عبّر المعاصر فقال:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
هذه الـ (لا أدرية) أحد أخطر الأمراض الخبيثة المهلكة لبني آدم، والتي أرسل الله الرسل إلى البشر ليداووهم منها بأن يخبروهم بوضوح تام بإجابات الأسئلة الأربعة الكبرى:
من أنا؟
ومن أين جئت؟
ولماذا؟
وإلى أين المصير؟
فإذا ما أجيبت هذه الأسئلة أفاق الإنسان من غفلته، واستيقظ من نومته، وصحا من سكرته، وهذا هو الإيمان ونوره، وهذه هي الاستنارة العقلية الناتجة عن الفهم.
ثم يعطي الأنبياء أقوامهم بعد هذه الاستنارة برنامجًا عباديًا عمليًا خلاصته في كلمة واحدة ساحرة هي:
(5)
«أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»
— حديث نبوي شريف
ربما صارت هذه الكلمة ثقيلة الوقع على نفوس كثير من الناس - أعني: الروتين -، وذلك أنها تعني الملل والتكرار وعدم التشويق، وإن النفس لتحب اللهو واللعب وتميل إليهما، وما الحياة الدنيا إلا ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.
غير أن الفارق الحقيقي بين الفالحين الناجحين وبين غيرهم هو هذا الأمر تمامًا ولا شيء غيره تقريبًا؛ إنه الانضباط والمداومة، وأصلهما القدرة على تأجيل اللذة الذي أثبتت عميق أثره تجربة المارشميلو الشهيرة، وغيرها من الدراسات المهمة في علم النفس السلوكي. ()
لذلك كانت العبادات - وأجلها الصلاة - ذات مواقيت محددة ثابتة منتظمة مكررة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، وإن إنسانًا ينضبط في أداء عبادة خمس مرات يوميًا في نفس الوقت كل يوم لحريٌّ به أن يتعلم الانضباط في أمره كله، ولعل هذا من معاني ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
وإن عبدًا يضحي بماله وهو من المحبوبات العظيمات والشهوات المزينات في الدنيا، ومع ذلك يبذله طمعًا في جزاء الله تعالى في الآخرة، لمأمول منه أن يضحي بلذات أخرى عاجلة كثيرة رجاء لذات آجلة أجل وأجمل وأبقى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾.
ولأن تأجيل اللذة أصل من أهم أصول الوصول في الدنيا والآخرة، قالت العرب قديمًا: «عند الصباح يحمد القوم السُّرى»؛ أي يسعدون صباحًا بثمرة تركهم النوم ليلًا، وهو من اللذائذ المحبوبات، بما قطعوا من مسافة وما وصلوا إليه في الرحلة، وما كان ذلك لهم إلا ثمرة الانضباط.
وفي معنى ذلك القول العربي قال النبي ﷺ: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ».
ولذلك كان عمله ﷺ ديمة، وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه صاحبه، كما جاء في منطوق عدد من الأحاديث الشريفة.
(6)
وقديمًا قال لي الشيخ برفق ويقين:
أكمل أورادك يا ولدي ... فالسفر طويل
وهذه ثلاث نصائح لورد أكثر انتظامًا: